اعلانك هنا

header ads

فكرة المجتمع المدني في الإسلام ...بين النقد والنقض .



**سفيان الكمري**

يحاول مفهوم المجتمع المدني من بين ما يحاول تقديم مجموعة من الأجوبة  لمجموعة من الإشكالات والأسئلة العالقة واقعيا , منها ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين السياسي والديني , ومنها ما يتصل بمعالجة طبيعة العلاقة بين المدني والديني ومنها ما يحاول إيجاد حل لإشكالية العلاقة بين السياسي والمدني .
مفهوم المجتمع المدني لم يكن له ليتشكل لولا مروره عبر مجموعة من التمفصلات التي أثرت في بنيته ووظيفته , ولم تغير من  فلسفته شيئا , إنها فلسفة تنطلق من كون الإنسان محور الاهتمام والاشتغال بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لونه أو عرقه أو قوميته أو ... ومن هذا المنطلق فالإنسان هو صاحب الإرادة الحرة والقادر على تنظيم شؤون نفسه بعيدا عن أي تسلط سياسي أو ديني أو اقتصادي , مما يعني أنه انطلاقا من فلسفة المجتمع المدني يلزم من بين ما يلزم إبعاد الأطروحات " الثيوقراطية " المفعمة بروح " الإيديولوجيا الدينية " التي تحاول { وفق منظري المجتمع المدني } الإنفراد بفهم وتفسير جميع الظواهر دينية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية تبعا لمفاهيم جاهزة مسبقا دون مراعاة لأدنى المعايير العقلية والمنطقية ...
إن التفكير في نقاش جاد وفعال يتمحور حول موقع المجتمع المدني في الإسلام بدأ في لحظة " الغزو الاستعماري الأوربي " لبلاد العرب والمسلمين , نقاش لم يختلف من حيث منطلقاته وأطرافه  عن نقاشات أخرى كالعلمانية والدولة المدنية والليبرالية ... وكعادته لم يجد " الفقيه التقليدي " { كما يوصف في الكتابات السوسيولوجية والفلسفية المعاصرة } للمجتمع المدني مكانا ضمن حقل الفقه الإسلامي , ينطلق من المفهوم السابق ولا يزيد عليه شيئا , يعتبر المجتمع المدني من المفاهيم الوافدة من الغرب والضاربة عرض الحائط الثقافة الإسلامية , لم يقف كلامه هنا بل يضيف قائلا : " مفهوم المجتمع المدني رديف للعلمانية ومناصر للزندقة والفسوق والمروق , إنه مفهوم مسقط لحقوق الله ورسوله " , وعندما يسأل عن مظاهر إسقاط مفهوم المجتمع المدني لحقوق الله ورسوله يرد : " المجتمع المدني يتنافى مع الحاكمية التي هي محور التوحيد ومرتكزه , كما أن مفهوم المجتمع المدني يضرب في العمق مفاهيم الولاء والبراء , والحب في الله والبغض في الله , لأنه لا يعير إهتماما لدين الإنسان ومعتقده " , في نظر الفقيه التقليدي انتهى الكلام هنا , ورفعت الأقلام وجفت الصحف .
تصل أحكام الفقيه التقليدي إلى مسامع الرجل الحداثي التقدمي , إنها أحكام في نظره أكل عليها الدهر وشرب ونام , فهي لم تعد تستوعب واقع الحال وحتى المآل , لا يرى في مفهوم المجتمع المدني ما يتنافى مع أحكام الدين , يحاول أن يؤسس لكلامه فيخونه تخصصه البعيد عن  حقل " الشريعة الإسلامية " , فلا يبقى له إلا التوسل بالنظريات السياسية الغربية التي تجعل هوة ساحقة بين مجال الدين ومجال السياسة , هكذا يصل الرجل الحداثي إلى نتيجة أساسية هي أن " المجتمع المدني مجال أخلاقي يجسد إرادة الفرد في اختيار ما يروقه من أنشطة وأعمال تدخل في دائرة الخير العام " .
إن هذا الحوار العقيم بين الفقيه التقليدي والرجل الحداثي حول مفهوم المجتمع المدني , يحاول الفقيه " المتفتح " {كما هو موصوف في المنابر الإعلامية }  التلطيف من حدته عن طريق التوفيق بين الاثنين , ففي نظر الفقيه المتفتح فمفهوم المجتمع المدني له جذور عميقة ضاربة في التاريخ الإسلامي , يستعين في هذا الإطار بمفهومي الوقف الإسلامي والزوايا كحجة على قوله , ولأن الأصل في الأشياء الإباحة  فالمجتمع المدني ضرورة مجتمعية لتدبير شؤون الناس في شتى المجالات ... يعتقد الفقيه المتفتح أنه أوجد حلا ,  فإذا بكلامه يثير نقاشا جديدا وصاخبا ,  مخلفا سيلا من الأسئلة والإشكالات أهمها على الإطلاق : هل يمكن الأخذ بمفهوم المجتمع المدني بمعزل عن إيديولوجية العلمانية والليبرالية ؟؟ يحير فقيهنا في الجواب على السؤال , وبعد عناء كبير يرد : " لمفهوم المجتمع المدني بعدين : أحدهما فلسفي , والأخر إجرائي , والواجب كل الواجب الفصل بينهما , فيترك الأول ويؤخذ بالثاني "  .
أسدل النقاش إذن حول مفهوم المجتمع المدني في الإسلام , نقاش أفرز نتائج وخلاصات متباينة بين أطرافه وطوائفه , وفي انتظار إحيائه من جديد , حق لنا أن نتساءل عن الشروط والظروف اللازمة لتجدد التفكير في نقاش جدي حول موقع المجتمع المدني في الإسلام ؟؟ وعن الضمانات والدعامات المتاحة أمام كل فريق للإدلاء بدلوه في الموضوع ؟؟ .

سفيان الكمري : باحث في مجال المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية .