خطاب العرش 2026... من تثبيت المكاسب إلى بناء مغرب السيادة الاقتصادية
برشيد بريس
بقلم: مصطفى أبلق
حاصل على الماستر في القانون العام تخصص المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية
لم يكن خطاب العرش لسنة 2026 مجرد عرض لحصيلة الإنجازات، بل شكل وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ السيادة الاقتصادية، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره المدخل الأساسي للتنمية.
أولى الرسائل التي حملها الخطاب تتمثل في ترسيخ مفهوم استمرارية الدولة. فقد أوضح جلالة الملك أن المشاريع الكبرى التي يعرفها المغرب ليست مرتبطة بحكومة أو أغلبية سياسية معينة، وإنما هي ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على التراكم والإصلاح المتواصل.
وهذه رسالة مباشرة إلى الفاعلين السياسيين، مفادها أن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون محطة لتجديد النخب وتطوير الأداء، لا لإعادة النقاش حول الاختيارات الاستراتيجية للدولة. كما قدم الخطاب تصورا واضحا لمفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين.
فلم تعد السيادة مرتبطة فقط بالحدود أو القدرات العسكرية، بل أصبحت تشمل الأمن الغذائي، والأمن الطاقي، والسيادة الصناعية، والسيادة التكنولوجية، والأمن السيبراني. ولذلك جاء التركيز على الصناعات الدفاعية، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، وصناعة الطيران، باعتبارها قطاعات المستقبل التي ستحدد موقع الدول في الاقتصاد العالمي.
ومن الناحية الاقتصادية، أبرز الخطاب أن المغرب لم يعد يعتمد فقط على موارده التقليدية، بل أصبح يبني اقتصادا قائما على التصنيع والابتكار.
فكون المملكة أصبحت أول مصدر للسيارات في إفريقيا، ودخولها الصناعات المتقدمة في مجال الطيران، يعكس تحولا نوعيا في البنية الاقتصادية، ويؤكد أن المغرب يسعى إلى الانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك إلى اقتصاد منتج وقادر على المنافسة.
غير أن الخطاب لم يغفل الجانب الاجتماعي، حيث شدد على ضرورة أن تنعكس هذه المؤشرات الاقتصادية الإيجابية على حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات، وتقليص الفوارق المجالية، وتسريع برامج التنمية الترابية، وتعزيز الحماية الاجتماعية.
فنجاح أي نموذج تنموي يقاس بمدى تأثيره على جودة حياة المواطنين، وليس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية.
ومن الرسائل اللافتة أيضا، الدعوة الموجهة إلى القطاع المالي للقيام بدور أكبر في تمويل الاستثمار الوطني، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات المبتكرة. وهي إشارة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة الرأسمال الوطني، وعدم الاكتفاء بالاستثمارات الأجنبية، حتى يصبح التمويل الداخلي رافعة حقيقية للتنمية.
سياسيا، حمل الخطاب رسائل ضمنية إلى الأحزاب السياسية مع اقتراب الانتخابات التشريعية، مفادها أن المنافسة ينبغي أن تنصب على الكفاءة والبرامج والقدرة على تدبير الأوراش الكبرى، بعيدا عن الشعبوية أو الخطابات التي تغذي اليأس والإحباط.
كما أكد أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بمواصلة الإصلاحات، لا بالانطلاق من الصفر، وهو ما يعكس منطق استمرارية السياسات العمومية.
أما على المستوى الدولي، فقد أكد الخطاب أن المغرب أصبح شريكا موثوقا يحظى بالاحترام، بفضل سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات والدفاع عن المصالح الوطنية. ويعكس ذلك المكانة التي راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الدبلوماسي أو الأمني.
وفي المقابل، يفتح الخطاب باب النقاش حول التحديات التي ينبغي معالجتها خلال المرحلة المقبلة، وعلى رأسها خلق فرص الشغل، والرفع من جودة التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية، وضمان وصول ثمار النمو إلى مختلف الفئات الاجتماعية.
فهذه القضايا ستظل المعيار الحقيقي لنجاح النموذج التنموي المغربي.
في المحصلة، يمكن اعتبار خطاب العرش لسنة 2026 خارطة طريق للمرحلة المقبلة، أكثر منه خطابا احتفاليا. فقد جمع بين تقييم المنجزات، وتحديد الأولويات، وتوجيه رسائل واضحة إلى الحكومة المقبلة، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الاقتصادية، والمواطنين.
إنه خطاب يؤكد أن المغرب اختار مواصلة البناء بثبات، مستندا إلى الاستقرار، والرؤية الاستراتيجية، وتراكم الإصلاحات، مع جعل السيادة الاقتصادية والتنمية الشاملة عنوانا رئيسيا للمرحلة القادمة.إذا رغبت في نشر المقال في صحيفة أو موقع إلكتروني، يمكن أيضا إعداد نسخة بصياغة أكثر جرأة ونقدية، تتضمن قراءة سياسية أعمق للدلالات والرسائل التي حملها الخطاب تجاه الحكومة والأحزاب والاستحقاقات التشريعية المقبلة.