عندما تتحول التزكية إلى أداة ابتزاز… وتأثير ذلك على المشاركة المواطنة
برشيد بريس / مصطفى أبلق
لم تعد التزكية الحزبية مجرد إجراء تنظيمي لاختيار المرشحين، بل تحولت في بعض الممارسات إلى أداة ضغط تُستعمل داخل المكاتب السياسية للأحزاب، بما يفرغها من مضمونها الديمقراطي. هذا الانزلاق لا ينعكس فقط على مصداقية الأحزاب، بل يمتد بشكل مباشر إلى مستوى المشاركة المواطنة، التي تعد ركيزة أي نظام ديمقراطي.
في السياق الطبيعي، تقوم التزكية على معايير موضوعية، كالكفاءة، والنزاهة، والارتباط بقضايا المواطنين. غير أن ما يلاحظ أحيانا هو هيمنة منطق الولاءات والاعتبارات الشخصية والمالية ، بل وحتى الحسابات الضيقة التي تقصي الكفاءات وتكافئ الانضباط غير النقدي. وبهذا، تصبح التزكية وسيلة للابتزاز السياسي: إما الامتثال لقرارات القيادة، أو الإقصاء من الاستحقاقات الانتخابية.
هذا الواقع ينتج أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والأحزاب. فالمواطن الذي يرى أن المرشحين لا يختارون وفق معايير شفافة، بل عبر ترتيبات داخلية مغلقة، يفقد الإيمان بجدوى صوته الانتخابي. وهنا تتراجع المشاركة المواطنة، ليس فقط في التصويت، بل أيضا في الانخراط الحزبي والعمل المدني.
كما أن ضعف الشفافية في منح التزكيات يخلق شعورا عاما بعدم تكافؤ الفرص، خاصة لدى فئة الشباب، التي تفترض أن تكون خزانا أساسيا لتجديد النخب. وعندما يقصى الشباب والكفاءات المستقلة لصالح شبكات النفوذ، فإن ذلك يعمق العزوف السياسي ويكرس اللامبالاة، بل أحيانا الاحتجاج خارج الأطر المؤسساتية.
من جهة أخرى، فإن تراجع المشاركة المواطنة لا يضعف فقط الأحزاب، بل يهدد جودة السياسات العمومية نفسها. فمؤسسات منتخبة بتمثيلية ضعيفة أو غير نزيهة، تجد صعوبة في التعبير الحقيقي عن انتظارات المواطنين، ما يخلق فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع.
إن إعادة الاعتبار للتزكية كآلية ديمقراطية يمر عبر إصلاحات عميقة داخل الأحزاب، ترتكز على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار. كما أن تمكين المناضلين من آليات الطعن والمراقبة الداخلية يمكن أن يحد من منطق التحكم والابتزاز.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن مشاركة مواطنة فعالة في ظل أحزاب لا تمارس الديمقراطية داخلها. فالمواطن لا يثق إلا في مؤسسات تعكس نفس القيم التي تدعو إليها.
وعندما تستعيد التزكية معناها الحقيقي، يمكن حينها فقط إعادة بناء الثقة، وتحفيز المواطنين على الانخراط الإيجابي في الحياة العامة.
بقلم :مصطفى ابلق حاصل على شهادة الماستر تخصص المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية.