التسريب الصوتي المنسوب إلى راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، يفتح نقاشا يتجاوز بكثير مضمون تسجيل صوتي، أو صحة ما ورد فيه من عدمها. فهو، في جوهره، يعيد طرح سؤال سياسي ودستوري بالغ الأهمية: ما معنى الانتخابات إذا كانت بعض الترتيبات السياسية الكبرى قد تحسم خارج صناديق الاقتراع؟
وبداية، لا بد من التأكيد على أن الحديث هنا ينطلق من فرضية مشروطة: إذا ثبتت صحة التسجيل ونسبته إلى صاحبه، فإن الأمر يستحق نقاشا مؤسساتيا وسياسيا جديا، بعيدا عن منطق التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة.
فالانتخابات ليست مجرد موعد دوري يذهب فيه المواطن إلى صناديق الاقتراع ليضع ورقة في صندوق، ثم تنتهي علاقته بالعملية السياسية.
الانتخابات هي التعبير الأسمى عن الإرادة الشعبية، ومنها تستمد المؤسسات المنتخبة جزءا أساسيا من مشروعيتها. ولذلك، فإن أي شعور لدى المواطن بأن النتائج أو الترتيبات السياسية الكبرى قد تكون محسومة مسبقا، من شأنه أن يضرب في العمق الثقة في العملية الديمقراطية.
السؤال الأكثر إلحاحا هنا هو: إذا كانت الحقائب الوزارية، والتحالفات، ومواقع المسؤولية السياسية يتم التوافق بشأنها قبل أن يقول المواطن كلمته، فما الذي يبقى من القيمة السياسية لصوته؟ صحيح أن تشكيل الحكومات يخضع، في الأنظمة الديمقراطية، لتوازنات سياسية وتحالفات وتفاوض بين الأحزاب، وهذا أمر طبيعي.
لكن الطبيعي أيضا أن تكون هذه الترتيبات مبنية على نتائج الانتخابات وعلى الوزن السياسي الذي منحه المواطن لكل حزب. أما إذا تحولت الانتخابات إلى مجرد واجهة لإضفاء الشرعية على ترتيبات تكون قد حُسمت مسبقا، فإننا نكون أمام إشكال حقيقي يتعلق بجوهر الممارسة الديمقراطية، حتى وإن ظلت الإجراءات الانتخابية قائمة من الناحية الشكلية.
الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع أو بنسبة المشاركة، وإنما أيضا بمدى احترام الإرادة التي تنتج عنها. فالمواطن حين يصوت، لا يمنح شيكا على بياض، وإنما يمارس حقا دستوريا وسياسيا يفترض أن تكون له آثار حقيقية في تشكيل المؤسسات والسياسات العمومية.
ومن أخطر نتائج مثل هذه التصورات أنها قد تعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسات. فالعزوف الانتخابي لا يولد دائما من اللامبالاة، بل قد يكون أحيانا نتيجة لشعور متراكم بأن المشاركة لا تغير شيئا، وأن موازين القوة السياسية تُحسم بعيدا عن إرادة الناخب.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمشكلة ليست فقط في تسجيل صوتي، ولا في شخص بعينه، ولا في حزب بعينه، وإنما في الصورة التي يمكن أن تتشكل لدى المواطن عن العملية السياسية برمتها. فإذا فقد المواطن الثقة في أن صوته قادر على التأثير، فقد يفقد تدريجيا الرغبة في المشاركة، وعندها تصبح الديمقراطية مهددة من الداخل، ليس بسبب غياب الانتخابات، وإنما بسبب فقدان الإيمان بجدواها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس تحويل القضية إلى معركة حزبية أو مناسبة لتصفية الحسابات السياسية، وإنما فتح نقاش مسؤول حول قواعد اللعبة السياسية، ومدى شفافية صناعة القرار، وحدود التفاوض الحزبي، ومكانة الإرادة الشعبية في تشكيل المؤسسات التنفيذية.
إن احترام الدولة ومؤسساتها لا يعني الصمت عن الأسئلة المشروعة، كما أن الدفاع عن الديمقراطية لا يعني التشكيك في كل شيء. بل إن قوة المؤسسات تقاس أيضا بقدرتها على تحمل النقد، وتوضيح الوقائع، وتصحيح الاختلالات عندما تثبت.
لقد قطع المغرب أشواطا مهمة في بناء مؤسسات الدولة وتطوير الممارسة الديمقراطية، لكن ترسيخ هذا المسار يحتاج دائما إلى تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالوضوح، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الانتخابات معناها الحقيقي.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل التسجيل حقيقي أم مفبرك؟ بل أيضا: كيف نضمن ألا يشعر المواطن بأن نتائج الانتخابات شيء، وصناعة القرار السياسي شيء آخر؟
فالانتخابات ليست مجرد يوم في السنة، وصندوق الاقتراع ليس مجرد صندوق. خلف كل صوت مواطن توجد إرادة، وخلف كل ورقة اقتراع توجد ثقة، وخلف كل مشاركة يوجد أمل في أن يكون للمواطن دور حقيقي في صناعة مستقبل بلده.
وحين تهتز هذه الثقة، فإن الخاسر في النهاية لا يكون حزبا أو مسؤولا بعينه، وإنما تكون الخسارة من نصيب الديمقراطية نفسها.