افتتاح الولاية التشريعية: خارطة طريق ملكية لتجاوز البيروقراطية وبناء مغرب "السيادة والتراب"
برشيد بريس
▪️ بقلم:مصطفى ابلق (باحث في القانون العام وقضايا المجتمع المدني و الديمقراطية التشاركية)
شكل الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية الجديدة لحظة فارقة في التوجيه السياسي والدستوري بالمملكة؛ إذ لم يقتصر على رسم المعالم العريضة للعمل البرلماني والحكومي، بل وضع اليد على مكامن الخلل التنموي والإداري، معلناً بداية مرحلة عنوانها الأبرز: "الحكامة الترابية والنجاعة الميدانية".
يأتي هذا الخطاب في ظرفية جيو-اقتصادية ودولية متسارعة، ليضع المؤسسات الدستورية، والقطاع الخاص، والفاعلين الترابيين أمام مسؤولياتهم التاريخية في تنزيل جيل جديد من الإصلاحات الهيكلية.
أزمة اللاتمركز الإداري: الملك ينهي زمن "التماطل"
لم يخفِ الخطاب الملكي تشخيصه الصريح للاختلالات التي ما زالت تعيق مسار الجهوية المتقدمة؛ حيث أشار بوضوح إلى أن البطء والتأخير في التفعيل الكامل *"لميثاق اللاتمركز الإداري*" باتا يؤثران سلبا على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية.
إن الشديد على نقل الاختصاصات والموارد المالية والبشرية الضرورية من "المركز" إلى "الجهات والأقاليم" يضع الإدارة المركزية أمام تحول حتمي؛ إذ لم يعد مقبولا رهْن القرارات التنموية الترابية بالبيروقراطية المركزية. هذا التوجه يسعى إلى تمكين المؤسسات الجهوية من آليات التعاقد والتنسيق الكفيلة بجعلها قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع الميدانية بشكل واقعي ومستدام.
السيادة الاستراتيجية: أولوية الأمن المائي والإقلاع الرقمي
في الشأن الاقتصادي والسياسات العمومية، رسم الخطاب ملامح نموذج تنموي صاعد يستجيب للتحولات العالمية، وذلك من خلال:
1. إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى: التركيز على تحقيق الأمن المائي، الطاقي، والغذائي بوصفها أركاناً صلبة للسيادة الوطنية. 2. اقتصاد المستقبل: تسريع المشاريع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والإقلاع الصناعي. 3. دور الفاعل الخاص: إعادة تعريف دور القطاع الخاص ليتحول من مجرد مستفيد إلى فاعل استراتيجي قادر على الابتكار، والاستثمار المنتج، وخلق فرص الشغل.
كما وضع الخطاب قضايا الشباب في قلب هذه الدينامية، موجهاً إلى إعداد تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، بما يعزز ثقة الناشئة في مؤسسات وطنها.
العلاقات الدولية والهجرة: الشراكة خيار سيادي يرفض الضغط
وعلى الصعيد الدولي والدبلوماسي، جاء الخطاب بلغة حازمة وواضحة تؤكد على مكانة المغرب كشريك مسؤول وموثوق، مع الدعوة الصريحة إلى إعادة النظر في نموذج التعاون الحالي في مجال تدبير الهجرة (خاصة مع الجانب الإسباني) بعدما أثبتت الأزمات المتكررة أنه أصبح متجاوزا.
وأكد الخطاب أن المغرب، بقدر حرصه على احترام التزاماته وحسن الجوار، يرفض بكل حزم محاولات الاستغلال السياسي أو الإعلامي، مشدداً على أن الشراكة الاستراتيجية قرار سيادي يرفض أشكال الضغط أو الابتزاز. وفي هذا السياق، يتجه المغرب إلى تقديم وثيقة استراتيجية متكاملة لشركائه ترتكز على التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
الانتداب البرلماني: تعاقد أخلاقي ومسؤولية تاريخية
اختتم الخطاب الملكي بتوجيه رسالة عميقة للبرلمانيين، تذكرهم بأن التمثيل النيابي ليس مجرد تشريف سياسي، بل هو "التزام سياسي وتعاقد أخلاقي" مباشر مع المواطنين.
إن مرحلة العمل الميداني المأمولة تتطلب نخب برلمانية ومحلية تعتمد القرب، وتستوعب انشغالات الشارع، وتتجاوز الحسابات السياسوية الضيقة لصالح المصلحة الوطنية العليا؛ فالرهان اليوم هو تحويل الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني يلمس المواطن أثره في حياته اليومية.