اعلانك هنا

header ads

برشيد بين السابع من أكتوبر و السابع من ديسمبر (قراءة في المشهد الحزبي)


**عادل المحاح**
برشيد بين السابع من أكتوبر و السابع من ديسمبر (قراءة في المشهد الحزبي) .. 
برشيد بين السابع من أكتوبر و السابع من ديسمبر (قراءة في المشهد الحزبي) ..
 شهد إقليم برشيد يوم الخميس السابع من شهر دجنبر الحالي انتخابات برلمانية جزئية لاختيار خليفة للبرلماني زين العابدين حواص الذي ألغت المحكمة الدستورية مقعده و قد شكل هذا الاستحقاق فرصة لجس نبض الناخب البرشيدي و معرفة التغيرات التي طرأت على توجهاته ما بين الرابع من شتنبر 2015 تاريخ إجراء الانتخابات الجماعية التي عرفت بداية هيمنة حزب الجرار على المشهد الحزبي بحصوله على ثمانية عشر مقعدا بمجلس الجماعة الحضرية لبرشيد مركز الإقليم و تتويج هذه الهيمنة بحيازة مقعد برلماني بحصول مرشحه على 12865 صوتا في الانتخابات البرلمانية لسابع أكتوبر 2016 و بين السابع من دجنبر 2017 تاريخ الانتخابات البرلمانية الجزئية التي عرفت سقوط أسطورة الحزب المهيمن أمام طموح الشاب الاستقلالي طارق قديري و دهاء أخيه وعرابه السياسي المستشار فؤاد قديري و شكل هذا الاستحقاق كذلك مناسبة لإلقاء نظرة على المشهد الحزبي بالإقليم و الذي ينبئ بتحولات عميقة توحي بتغيرات جذرية في الخريطة السياسية في الاستحقاقات المقبلة.
عرفت الانتخابات الجزئية الأخيرة مشاركة أربعة أحزاب ، حزب الأصالة و المعاصرة ، حزب الاستقلال ، حزب العدالة و التنمية و حزب النهضة و الفضيلة غير أن الصراع كان محتدما بين حزب الجرار و حزب الميزان أو بالأحرى منسقه الجهوي و مستشاره البرلماني و عضو لجنته التنفيذية فؤاد قديري الذي وجد نفسه وحيدا في مواجهة الجميع بمن فيهم تيار "الأعيان" في حزبه الذي ساند علنا حزب الجرار بعد تعبيره عن امتعاضه و عدم رضاه عن تزكية الشاب طارق قديري بدلا من رئيس جماعة سيدي المكي و شقيق الكاتب الإقليمي و وصيف لائحة حواص خالد الإبراهيمي ، غير أن الدهاء و الحنكة السياسية لمهندس هذا الفوز غلبا تحالف أعيان حزب الميزان مع الأصالة و المعاصرة و حسما النزال لصالح المرشح طارق قديري بحصوله على 24361 صوتا مقابل 16050 صوتا لصالح مرشح الجرار في حين حصل حزب رئيس الحكومة فقط على 2605أصوات و حزب النهضة و الفضيلة 649 صوتا.
في هذا المقال أسلط الضوء على العوامل التي أفرزت هذه النتيجة و أقف عند بعض القراءات من خلال إلقاء نظرة على لائحة المرشحين و الظروف التي مرت فيها العملية الانتخابية و النتائج المحصل عليها من جانب كل حزب و كذا النتائج الجزئية لبعض جماعات الإقليم مع مقارنتها بنتائج الاستحقاقات الفائتة في محاولة لاستشراف مستقبل  الخريطة الحزبية و السياسية بالإقليم .
أول عامل أسهم في تحقيق هذا النصر الانتخابي للمرشح الاستقلالي  هو دهاء عرّابه المستشار البرلماني و شقيق مرشح حزب الميزان فؤاد قديري و معرفته من أين تؤكل الكتف و مساره السياسي يشهد له بذلك فكل تحركاته السياسية محسوبة المخاطر إن لم نقل محسومة النتائج سواء اختياره للون حزبي معين في ظرف زمني معين أو اصطفافه داخل الحسب الواحد إبان التصدعات و الصراعات الداخلية ، عرّاب سياسي من هذا النوع لم يكن ليختار لشقيقه هذه الظرفية لدخول الحقل السياسي لو لم يكن متأكدا أن هذا الدخول سيكون دخول الفاتحين.
عامل ثان مرتبط بسيكولوجية الناخب كان له دور مهم في إحراز مرشح الاستقلال المقعد البرلماني بفارق 8311 صوتا عن غريمه مرشح حزب الأصالة و المعاصرة و هو "التصويت لولد البلاد" الذي أحسن مرشح الاستقلال استغلاله شعارا لحملته الانتخابية في ظل تقديم حزب الجرار للموثق البيضاوي -الصحراوي الأصل- صلاح الدين الشنقيطي مرشحا مع توفر الحزب محلياً على العديد من المستشارين الجماعيين من أبناء المدينة الذين لهم من الأقدمية و الاحتكاك المباشر و اليومي مع المواطنين ما يمكنهم من الحصول على تعاطف الساكنة و ثقتها هذه الساكنة التي لطالما صوتت للأشخاص الذين تعرفهم بعيدا عن برامجهم و ألوان أحزابهم السياسية و التعاطف الذي حازته لائحة رئيس المجلس البلدي في الانتخابات الجماعية السابقة خير دليل على ذلك  و ما قيل عن مرشح حزب الجرار في هذا المقام يمكن قوله عن مرشح حزب المصباح ، الاعتبار الشخصي لمرشح الميزان و تداخلات القرابة و المصاهرة لعبت كذلك دورا مهما في حسم النتيجة لصالحه في جماعة رياح التي حاز فيها 1730 صوتا مقابل 57 صوتا فقط لصالح مرشح الجرار في حين لم يحصل مرشح المصباح على أي صوت بتراب هذه الجماعة ، نفس القول يسري على جماعة جاقمة التي تعتبر معقلا تاريخييا لحزب الحمامة التجمع الوطني للأحرار و التي حصل فيها مرشح الميزان على 2570 صوتا مقابل 149 صوتا لفائدة مرشح الأصالة و المعاصرة و 57 صوتا فقط لصالح مرشح العدالة و التنمية .
عامل آخر يتعلق بالظروف المحيطة بعملية التصويت كان له دور مهم في إفراز هذه النتيجة و هو حياد السلطة الإيجابي -باستثناء بعض الحالات المعزولة- بعد أن كان لحيادها السلبي أمام الخروقات بالجملة التي شهدتها الاستحقاقات الانتخابية الجماعية للرابع من شتنبر 2015 و البرلمانية للسابع من أكتوبر 2016  هذا الحياد اليد الطولى في ترجيح كفة حزب بعينه .
من العوامل التي أسهمت كذلك في ترجيح كفة الميزان في هذه الانتخابات الجزئية هو قدرة حزبه أو بالأحرى تيار فؤاد قديري به على تعبئة الناخبين خصوصا في الجماعات القروية التي حسمت النزال لصالحه مثل جماعة سيدي عبد الخالق التي حصل فيها على 1170 صوتا مقابل 70 صوتا لمرشح الجرار و 40 صوتا فقط لصالح مرشح المصباح و كذا جماعة السوالم الطريفية التي حصل فيها على 1481 صوتا مقابل 194 لمرشح الجرار دون أن يحصل مرشح المصباح على أي صوت بهذه الجماعة  بالإظافة إلى هيمنة مرشح الاستقلال المطلقة على جماعتي رياح و جاقمة إذ حصل فيهما على حصة الأسد كما أشير إلى نتائجهما أعلاه ، كذلك جماعة سيدي رحال الشاطئ التي حاز فيها الاستقلال 2792 صوتا مقابل 88 صوتا فقط للأصالة و المعاصرة  أما مرشح العدالة و التنمية فقد نال فيها 552 صوتا ، هذه المشاركة المكثفة نسبيا بالجماعات القروية و قدرة المرشح الاستقلالي على الظفر بحصة الأسد من أصواتها جاءت في مقابل ضعف نسبة المشاركة بمدينة برشيد التي شكلت كتلتها الناخبة خزانا للوائح الجرار في انتخابات شتنبر 2015 و أكتوبر 2016 مع ملاحظة التقارب في عدد الأصوات المحصل عليها بجماعة برشيد بين مرشح الجرار 2900 صوت تقريبا و مرشح الميزان 2002 صوتا تقريبا بخلاف ما عهدناه في الاستحقاقات السابقة من هيمنة الجرار على أصوات المدينة  أما المصباح فكان نصيبه من أصوات مدينة برشيد 800 صوت .
جماعة سيدي المكي وحدها من الجماعات القروية التي شكلت الاستثناء و حاز فيها مرشح الجرار أكبر عدد من الأصوات : 1261صوتا مقابل 742 لفائدة الميزان بالرغم من كونها معقلا تاريخيا لحزب الاستقلال و ذلك يصدق بالملموس اشتغال تيار" الأعيان" بالحزب لصالح الجرار في هذه الانتخابات ردا على عدم تزكية رئيس الجماعة الاستقلالي و شقيق الكاتب الإقليمي لحزب الميزان لخوض غمار هذا الاستحقاق .
و في الأخير على هامش هذه القراءة في الانتخابات البرلمانية الجزئية التي شهدها إقليم برشيد و ما أحاط بها من ملابسات و ما أسفرت عنه من نتائج أبدي مجموعة من الملاحظات :
١- قواعد اللعبة في الانتخابات الجزئية تختلف عن نظيرتها في الانتخابات العادية .
٢- نسبة المشاركة كانت ضعيفة جدا إذ لم تتجاوز العشرة بالمائة تقريبا كما أن نسبة المشاركة بالجماعات القروية كانت أكبر من نظيرتها بالمدينة لسهولة التعبئة بها نتيجة التواصل المباشر مع ساكنتها من طرف المرشحين و المنتخبين و نتيجة استثمار التداخلات العائلية و النفوذ الأخلاقي لرؤساء الجماعات بها على الساكنة و هو ما استثمره على الوجه المطلوب مهندس حملة الميزان عكس حملة الجرار التي ركزت على مدينة برشيد متناسية أن المشاركة تكون ضعيفة بالمدن في الانتخابات الجزئية بخلاف الانتخابات العادية التي تلعب فيها وسائل الاعلام الرسمية دورا مهما في تعبئة ساكنتها.
٣- عدم مشاركة باقي الأحزاب في هذا الاستحقاق يطرح أكثر من علامة استفهام خصوصا حول بعض الأحزاب التي تحمل على كاهلها إرثا سياسيا و نضاليا ثقيلا محليا و وطنيا من طينة الاتحاد الاشتراكي الشيء الذي يفتح باب التساؤلات مشرعا عن مستقبل هذا الحزب في الإقليم خصوصا في ظل الوضع الذي يعيشه وطنيا و محليا مع رحيل محمد طربوز عنه إلى أقصى الزاوية المقابلة في المشهد السياسي و رحيل الحكيم الصامت الحاج محمد فرابي رحمة الله عليه عن هذه الدنيا و هما اسمان ارتبطت بهما الفترة الذهبية للحزب محلياً إبان الثنائية الحزبية مع الحزب الوطني الديمقراطي و وطنيا أثناء ولاية الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي و حكومة التناوب،  فكيف يغيب حزب بهذا الإرث عن هذا الاستحقاق و يشارك  حزب النهضة و الفضيلة بترشيح يكاد يكون نضاليا و تشرق شمسه في صناديق الاقتراع ب 649 صوتا.
٤- سقوط أسطورة توفر حزب العدالة و التنمية على كثلة ناخبة ثابتة تجعله أكبر مستفيد من العزوف الانتخابي إذ شهدت نتائجه تراجعا مهولا مقارنة مع تشريعيات 7 أكتوبر 2016 التي حصل فيها الحزب على مقعد برلماني بإحرازه 15098صوتا محتلا بذلك الرتبة الثانية في ترتيب الأحزاب بالمقابل لم يحصل في هذه الانتخابات الجزئية سوى على 2605 صوتا منها فقط 800 صوت بجماعة برشيد الحضرية مع أن المدن هي معقله و الطبقة المثقفة نسبيا تشكل جزءا كبيرا من كثلته الناخبة بها، في حين لم يحصل على أي صوت في ست جماعات قروية ، و هذا التراجع يرجأ إلى عدة أسباب تتعلق بالوضع العام الذي يعيشه الحزب من انشقاق و انقسام بين أنصار التمديد لبنكيران و مناوئيه و انعكاسات ذلك على الوضع المحلي للحزب بالإظافة إلى غياب بنكيران كبلدوزر سياسي و آلة دعائية عن المشهد إذ أن كثير من المواطنين المتأثرين بخطابات بنكيران كانوا يضعون أوراق حزبه في الصناديق حتى في الانتخابات المحلية ظنا منهم أنهم يصوتون لشخصه .
٥- التصويت بالإقليم و بالمغرب عموما يكون بناء على الإعتبار الشخصي للمرشح لا على الأحزاب السياسية و البرامج الانتخابية و التداخلات و التقاطعات العائلية و القبلية محدد أساسي في توجيه الناخبين و تشكيل قناعاتهم .
٦- بداية التغيير بتراجع عدد الأصوات المحصل عليها من طرف الحزب الذي يتزعم الائتلاف الجماعي بين جماعيات 7 أكتوبر 2015 ثم تشريعيات 7 أكتوبر 2016 وصولا إلى الانتخابات الجزئية الأخيرة وذلك راجع إلى الاستراتيجية الخاطئة المتبعة محلياً في إدارة الحملات الانتخابية و التي لا تخاطب عقول الناخبين و لم تستثمر المنجزات التي تم تحقيقها بمدينة برشيد خصوصا على مستوى البنية التحتية منذ تولي الحزب مقاليد إدارة الشأن المحلي بالمدينة و عدم تقديم الحزب لأحد شبابه من أبناء المدينة الذين كانت لهم بصمة في تحقيق هذه المنجزات مرشحا لهذه الانتخابات كما أن هذا التراجع مرتبط كذلك بالوضع العام للحزب و بداية أفول نجمه وطنيا و عودة الدولة العميقة إلى اختياراتها التقليدية .
٧- موقف الإدارة في الانتخابات الجزئية يختلف عنه في نظيرتها العادية ذلك أن الاولى لا أهمية كبيرة لها و بالتالي لا داعي للتأثير على نتائجها إذ لا تأثير لها في تحديد التوجه العام للبلاد و في ضمان استمرار اختياراتها بعكس الثانية التي تنبثق عنها الحكومات.
٨- بداية نهاية سلطة "الأعيان" و "اولاد العائلات الكبيرة" في أحزاب لطالما شكلت معقلا تاريخيا لهم مثل حزب الاستقلال بانتصار التيار الشبابي و ذلك إيذان بأفول نجم جيل من السياسيين بالمدينة و صعود نجم جيل جديد .