الدروة في قلب العاصفة:صراع المؤسسات وأسئلة التنمية والمحاسبة
▪️ بقلم: مصطفى أبلق / الأمين العام لمنظمة رؤى شبابيةوباحث في قضايا المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية
لم يعد تدبير الشأن العام المحلي مجرد ممارسة إدارية لتصريف الخدمات اليومية، بل أصبح اختبارا حقيقيا لمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الشفافية في تدبير الموارد العمومية.
ومن هذا المنطلق، تفرض النقاشات المثارة بشأن جماعة الدروة، بإقليم برشيد، ضرورة الانتقال من منطق تبادل الاتهامات والتجاذبات السياسية إلى منطق المساءلة المؤسساتية والبحث الموضوعي عن الحقيقة.
إن خروج رئيس جماعة الدروة ببيان توضيحي يتحدث فيه عن تعرضه لضغوط وممارسات يعتبرها غير مشروعة، ومطالبته بإيفاد لجان إقليمية مختصة، يطرح جملة من التساؤلات حول طبيعة الإشكالات التي يعرفها تدبير الشأن المحلي، وحدود العلاقة بين المنتخبين والسلطات الإدارية، ومدى انعكاس هذه التوترات على مصالح المواطنين وانتظاراتهم التنموية.
ومن الناحية المؤسساتية، فإن المطالبة بفتح تحقيق أو إيفاد لجان للرقابة تظل خطوة إيجابية متى كانت الغاية منها التحقق من الوقائع، وفحص الوثائق، وتحديد المسؤوليات وفق القانون. غير أن جدية هذه المطالب لا تقاس بقوة الخطاب أو حجم الاتهامات، وإنما بمدى الاستعداد لتقديم الأدلة، واحترام المساطر القانونية، وقبول نتائج الرقابة أيا كانت طبيعتها.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال النقاش العمومي في مسألة الضغوط التي يقول رئيس الجماعة إنه يتعرض لها، لأن جوهر المسألة يرتبط أيضا بما ينتظره المواطنون من المجلس الجماعي، وما تحقق فعليا من مشاريع، وما لا يزال عالقا من ملفات تنموية. فالمواطن لا تعنيه فقط طبيعة الخلافات بين الفاعلين السياسيين والإداريين، بقدر ما تعنيه جودة الخدمات العمومية، وتوفير المرافق الأساسية، وتحسين ظروف العيش، وضمان تدبير عادل وشفاف للشأن المحلي.
تصميم التهيئة والمرافق العمومية.. أسئلة تنتظر أجوبة
يعد تصميم التهيئة من الأدوات الأساسية لتنظيم المجال الحضري، وتحديد استعمالات الأراضي، وتأطير التوسع العمراني، وضمان التوازن بين السكن والأنشطة الاقتصادية والمرافق العمومية والمساحات الخضراء. ولذلك، فإن أي تعثر يطال هذا الورش يستوجب تقديم توضيحات رسمية بشأن أسبابه، ومراحل معالجته، والجهات المعنية به، والآثار المترتبة عنه على مستقبل الجماعة.
كما أن إشكالية المرافق العمومية والمساحات الخضراء لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل تقنية في وثائق التعمير، بل باعتبارها جزءا من الحق في المدينة ومن شروط التنمية المحلية المستدامة. فالتوسع العمراني الذي لا تواكبه مؤسسات تعليمية وصحية ومرافق ثقافية ورياضية وفضاءات خضراء، قد ينتج اختلالات مجالية واجتماعية يصعب تداركها لاحقا.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توضيح مآل المشاريع المبرمجة، ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بها، وطبيعة الإكراهات التي تحول دون إنجازها، مع ضرورة إتاحة المعطيات المرتبطة بالقرارات والوثائق التعميرية للعموم، في حدود ما يسمح به القانون، حتى يتمكن المواطنون والفاعلون المدنيون من تكوين رأي مبني على المعلومات لا على التأويلات.
العقار والمال العام.. لا تنمية دون شفافية
إن تدبير العقار والتعمير والمال العام من الملفات التي تتطلب أعلى درجات اليقظة المؤسساتية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالمصلحة العامة وبمستقبل المجال الترابي. ولذلك، فإن كل تساؤل جدي بشأنها ينبغي أن يقابله توضيح مؤسساتي يستند إلى الوثائق والقرارات الإدارية ومحاضر المجالس وتقارير الافتحاص والرقابة المتاحة قانونا.
ولا يعني ذلك افتراض وجود مخالفات أو توجيه اتهامات مسبقة لأي مسؤول أو جهة، بل التأكيد على أن حماية المال العام تقتضي توفير شروط المراقبة والمساءلة، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، واحترام قرينة البراءة إلى حين ثبوت أي مسؤولية وفق المساطر القانونية.
وفي هذا السياق، تكتسي أدوار أجهزة الرقابة والسلطات المختصة أهمية بالغة في التحقق من سلامة الإجراءات، وتقييم مدى احترام القواعد المنظمة للصفقات والتعمير وتدبير الممتلكات الجماعية، وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت أي إخلال. فالمحاسبة ليست وسيلة لتصفية الحسابات السياسية، كما أن الرقابة ليست استهدافا لأي منتخب، بل آلية دستورية ومؤسساتية لحماية المصلحة العامة.
الديمقراطية التشاركية.. المواطن شريك في القرار المحلي
من منظور الديمقراطية التشاركية، لا يمكن تحقيق تنمية محلية حقيقية دون إشراك المواطنات والمواطنين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات وتتبع تنفيذ المشاريع وتقييم السياسات العمومية. فالمشاركة المواطنة ليست مجرد لقاءات شكلية أو مشاورات موسمية، وإنما ممارسة مؤسساتية تتيح للسكان التعبير عن احتياجاتهم، وتقديم مقترحاتهم، ومتابعة مدى الاستجابة لها.
ويقتضي ذلك تعزيز آليات التواصل بين المجلس الجماعي والساكنة، وتفعيل قنوات تقديم العرائض والملتمسات وفق الشروط القانونية، وتنظيم لقاءات تشاورية بشأن التهيئة الحضرية والمرافق العمومية والبيئة والنقل والخدمات الاجتماعية، مع نشر المعلومات المتعلقة بالمشاريع والميزانيات والبرامج التنموية كلما كان ذلك ممكنا قانونا.
كما أن المجتمع المدني مطالب بدوره بممارسة رقابة مواطنة مسؤولة، قائمة على التوثيق والتحليل وتقديم المقترحات، بعيدا عن التشهير أو الاصطفاف غير النقدي وراء أي طرف.
فاستقلالية الفعل المدني لا تعني الحياد السلبي تجاه الاختلالات، بل تعني الانحياز إلى القانون والمصلحة العامة وحق الساكنة في التنمية والعيش الكريم.
الدروة فوق الحسابات السياسية
إن جماعة الدروة ليست ملكا لأي حزب أو مسؤول أو تيار سياسي، وإنما هي مجال ترابي وفضاء مشترك تتقاطع فيه مصالح المواطنين وانتظاراتهم. ومن ثم، فإن تحويل الخلافات السياسية أو المؤسساتية إلى صراعات مفتوحة لن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة في المؤسسات، وتأخير معالجة الملفات التي تمس الحياة اليومية للساكنة.
والمطلوب اليوم ليس الدخول في سجال حول من يتهم من، أو من يملك الخطاب الأقوى، بل إرساء مسار واضح للمساءلة: توضيح الوقائع، وتوفير الوثائق، والاستعانة بأجهزة الرقابة المختصة، ونشر خلاصات التحقيقات متى سمحت القوانين بذلك، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناء على النتائج.
إن مسؤولية تدبير الشأن العام تقتضي من جميع الأطراف، سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أو السلطات الإدارية أو باقي الفاعلين، احترام الاختصاصات القانونية، وتغليب المصلحة العامة، والابتعاد عن توظيف المؤسسات في النزاعات السياسية. كما تقتضي من الجهات المختصة التعامل بجدية مع الشكايات والطلبات المستوفية للشروط القانونية، ضمانا للحقوق وتكريسا لثقة المواطنين.
من تبادل الاتهامات إلى إنتاج الحقيقة
إن الرهان الحقيقي أمام جماعة الدروة لا يتمثل في كسب جولة إعلامية أو سياسية، بل في استعادة الثقة بين المؤسسات والساكنة، وتسريع وتيرة التنمية، ومعالجة الاختلالات وفق القانون، وضمان أن تكون القرارات العمومية في خدمة المصلحة العامة.
فإذا كانت هناك ضغوط أو تجاوزات، فإن مكانها الطبيعي هو مسار التحقق القانوني والمؤسساتي. وإذا كانت هناك اختلالات في التهيئة أو تأخر في إنجاز المرافق أو تساؤلات بشأن تدبير العقار والمال العام، فإن معالجتها تقتضي أجوبة موثقة ورقابة فعالة ومحاسبة عادلة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة هي الفيصل، وتظل الوثائق والرقابة المستقلة واحترام القانون هي الأدوات الأساسية لتحديد المسؤوليات. أما ساكنة الدروة، فمن حقها أن تعرف أين وصلت مشاريع التنمية، ولماذا تتعثر بعض الملفات، وما التدابير العملية الكفيلة بتجاوز الإكراهات.
فهل تتحول النقاشات المثارة اليوم بشأن جماعة الدروة إلى فرصة لإرساء حكامة محلية أكثر شفافية ومساءلة، أم ستظل رهينة التجاذبات السياسية التي تستنزف الزمن التنموي وتؤجل الإجابة عن انتظارات المواطنين؟